حسن الأمين

116

مستدركات أعيان الشيعة

( أي المقومات الزمنية ) التي أحاطت بتكوينهما ، مثال ذلك أن يكون جزء الأرض الذي فيه نشا الكبريت أو الزيبق معرضا لحرارة الشمس ، فقد يجيء الكبريت نقيا لطيفا ، وهو ما يسمى بكبريت الذهب ، لأنه هو الكبريت الذي إذا ما مزج معه الزيبق في مركب واحد سليم التوازن في مقاديره ، نتج عن امتزاجهما الذهب ، فلأن اتزان عناصر المزج في الذهب قد جاء على أتمه تراه يقاوم النار ، فلا تقوى النار على إحراقه كما تحرق سائر المعادن ( 1 ) . ونعود إلى المعادن السبعة الرئيسية التي هي مدار علم الكيمياء : ( وقد تسمى بالأحجار السبعة ) : الذهب والفضة والنحاس والحديد والرصاص والزيبق والقصدير ، فنقول : إن نظرية جابر هي أن كل معدن من هذه المعادن يظهر في خارجة كيفيتين من الكيفيات البسيطة الأربع ( الحرارة والبرودة واليبوسة والرطوبة ) ويخفي في باطنه الكيفيتين الأخريين ، وبالكيمياء نستطيع إظهار الباطن وإخفاء الظاهر فيتحول المعدن القائم معدنا آخر ، ولو قلنا هذا الكلام نفسه بعبارة أخرى ، قلنا : إن لكل معدن من هذه المعادن صفتين موجودتين بالفعل ، وصفتين أخريين موجودتين فيه بالقوة ، فلو استخرجنا ما هو موجود بالقوة إلى موجود بالفعل ، تبدل المعدن معدنا آخر ( 2 ) . والقائمة الآتية تبين لكل معدن صفتيه الظاهرتين وصفتيه الباطنتين : ومعنى هذا أن كل معدن يشتمل في جوفه على معدن آخر يناقضه في صفاته ، فالفضة من داخل هي نفسها الذهب من خارج ، فلو أخرجنا ما هو مكنون في باطن الفضة إلى ظاهرها ودسسنا ظاهرها في باطنها ، كان لنا بذلك معدن الذهب ، فإذا أراد الكيموي تحويل الفضة إلى ذهب ، كان عليه أولا أن يزيح برودتها الظاهرة لتخرج بدلها الحرارة الكامنة ، ثم يزيح - ثانيا . يبوستها الظاهرة لتخرج بدلها الرطوبة الكامنة ، حتى إذا ما اجتمع في الظاهر حرارة ورطوبة معا كان ما بين أيدينا ذهبا . ولو أجرى الكيموي تجاربه على قطعة من الحديد - مثلا - ظاهرها حرارة ويبوسة شديدة ، فله أن يزيح اليبوسة وحدها إلى الداخل لتخرج مكانها الرطوبة ، وبذلك يصبح الظاهر حرارة ورطوبة ، أي أن المعدن يصبح ذهبا ، أو أن يزيح الحرارة الظاهرة إلى الداخل لتخرج مكانها البرودة الكامنة ، وبذلك يصبح الظاهر برودة ويبوسة ، أي أن المعدن يصبح فضة ، أو أن يزيح الحرارة واليبوسة الظاهرين كليهما ، ليخرج مكانهما البرودة والرطوبة الكامنان فيكون الناتج زئبقا ( أو قصديرا حسب درجة الليونة أي درجة الرطوبة التي تظهر ) . وبنفس الطريقة يمكن رد أي معدن إلى أي معدن آخر ، وبصفة خاصة يمكن رد أي معدن إلى ذهب ، إذ ما علينا لكي نحول معدنا ما إلى ذهب إلا أن نجعل الكيفيتين الظاهرتين هما : الحرارة والرطوبة ، فإن كان المعدن المراد تحويله نحاسا - وظاهر النحاس حرارة ويبوسة - كان أمامنا كيفية واحدة هي التي نحتاج إلى دسها في الداخل ليخرج ضدها من الداخل فيحل محلها ، فالنحاس والذهب يشتركان في الحرارة ، ويختلفان في أن الذهب رطب والنحاس يابس ، فإذا أخرجنا للنحاس رطوبته الدفينة فيه ، كان ذهبا . أما إن كان المعدن المراد تحويله رصاصا ، فها هنا نجد التضاد بين الرصاص والذهب في الكيفيتين معا ، فالرصاص بارد والذهب حار ، والرصاص يابس والذهب رطب ، فعندئذ علينا أن نعالج الصفتين جميعا ، فندخلهما إلى الباطن ، ليخرج مكانهما الضدان وبذلك يصير الرصاص ذهبا - وهكذا . وأود أن أعيد هذا الذي قلته في تحويل المعادن بلغة جابر نفسه ، كما ساق الموضوع في المقالة الثانية والثلاثين من كتاب السبعين ، قال « . . . لا يخلو كل موجود أن يكون فيه طبعان - فاعل ومنفعل - ظاهران ، وطبعان - فاعل ومنفعل - باطنان ( 3 ) . . . ولذلك سهل عليهم وقرب رد الأجسام إلى أصولها في أقرب مدة ، وهو أن يقلبوا الطبائع في الأجسام ، فيجعلوا الباطن ظاهرا ، والظاهر باطنا ، فاما الحديد فان ظاهره فاسد وباطنه فاسد ، لأن ظاهره حديد ، وهو فاسد عند الفضة والذهب ، وباطنه زيبق وهو فاسد عندهما أيضا ( 4 ) ، فإذا قلبوا الحديد إلى الزيبقية صار ظاهره باردا رطبا وباطنه حارا يابسا ، فأظهروا حرارته وأبطنوا برودته ، فصار الظاهر حارا رطبا وذلك

--> ( 1 ) كتاب الإيضاح . ( 2 ) كتاب السبعين ، المقالة 32 . ( 3 ) نذكر القارئ بان الطبعين الفاعلين هما : الحرارة والبرودة ، وأن الطبعين المنفعلين هما : اليبوسة والرطوبة ( 4 ) ظاهر الحديد حار يابس صلب ، وباطنه بارد رطب رخو ، والمقصود بقوله إن ظاهره فاسد وباطنه فاسد كذلك عند الذهب والفضة ، هو أنه لا ظاهره ولا باطنه يساوي في الطبائع ظاهر الذهب أو الفضة ، فظاهر الذهب حار رطب وهو مختلف عن ظاهر الحديد وباطنه معا ، وظاهر الفضة بارد يابس وهو أيضا مختلف عن ظاهر الحديد وباطنه معا - ويلاحظ أن باطن الحديد ( أي البرودة والرطوبة الرخوة ) مساو لظاهر الزيبق ، فلو قلب الحديد باطنا لظاهر لنشأ لدينا زيبق ، ولم ينشأ لنا لا ذهب ولا فضة ، فلو أريد استخراج أحد هذين من الحديد ، تم ذلك على خطوتين ، فيحول الحديد إلى زيبق أولا ( أي أن يكون ظاهره باردا رطبا ) ثم بعد ذلك أما أن نبطن برودته ونظهر حرارته بحيث يكون الظاهر حارا رطبا ( وهذا ذهب ) وأما أن نبطن رطوبته ونظهر يبوسته بحيث يكون الظاهر باردا يابسا ( وهذا فضة أو رصاص ) .